أبي منصور الماتريدي

600

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قولوا ذلك ، لا أن هذا المعنى مما يحتمل أن يكون يعقوب لا يحققه ، بل حققه بقوله : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ يوسف : 83 ] وقوله : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ يوسف : 86 ] . يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] وهو مع ذلك قد كان بما أخبره يوسف ، وبما أوحى إليه أنه قد علم أنه لم يهلك بعد ، ولم يوجد منه إلى حيث يرجع هو إليه من البعث بعد الموت . ولا قوة إلا بالله . وقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، قيل : الصلاة من الله عزّ وجل يحتمل وجوها : يحتمل « 1 » : الرحمة والمغفرة . ويحتمل : الصلاة منه - مباهاته الملائكة ؛ جوابا لهم لما قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] ، كيف قلتم هذا ؟ وفيهم من يقول كذا . وقيل : الصلاة منه : الثناء عليهم . وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء الله عليهم . [ وقوله وَرَحْمَةٌ قال بعضهم الرحمة والصلاة واحد وهو على التكرار ، وقيل : الرحمة : النعمة وهي الجنة ] « 2 » وقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ شهد الله عزّ وجل بالاهتداء لمن فوض أمره إلى الله تعالى ، ويسلم لقضائه وتقديره السابق وهو كائن لا محالة ؛ كقوله : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [ الحديد : 22 ] . قال الشيخ - رحمه الله - : قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ يبلوهم بالذي كان به عالما ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهى بحق المحنة ، وهو كما يستخبر عما هو به خبير ، مع ما كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات يكون بالأمر والنهى ، فاستعملت في الأمر والنهى ، وإن كان لا يخفى عليه شئ ، بل هو كما قال : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الأنعام : 73 ] . ثم له جعل الغيب شاهدا ، فجرت به المحنة ، ليعلم ما قد علمه غائبا شاهدا ، إذ هو موصوف بذلك في الأزل . وبالله التوفيق . ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة فهو لله في الحقيقة ، لكنه بفضله

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 2 / 45 ) ، والبغوي ( 1 / 131 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في ط .